Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:31
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
(ج) أرادَ واحِدٌ خِدْمَةَ مَلِكٍ فَقالَ المَلِكُ: اذْهَبْ وتَعَلَّمْ
صفحة ١٧٨
حَتّى تَصْلُحَ لِخِدْمَتِي، فَلَمّا شَرَعَ في التَّعَلُّمِ وذاقَ لَذَّةَ العِلْمِ بَعَثَ المَلِكُ إلَيْهِ وقالَ: اتْرُكِ التَّعَلُّمَ، فَقَدْ صِرْتَ أهْلًا لِخِدْمَتِي، فَقالَ: كُنْتُ أهْلًا لِخِدْمَتِكَ حِينَ لَمْ تَرَنِي أهْلًا لِخِدْمَتِكَ، وحِينَ رَأيْتَنِي أهْلًا لِخِدْمَتِكَ رَأيْتُ نَفْسِي أهْلًا لِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنِّي كُنْتُ أظُنُّ أنَّ البابَ بابُكَ لِجَهْلِي، والآنَ عَلِمْتُ أنَّ البابَ بابُ الرَّبِّ.
(د) تَحْصِيلُ العِلْمِ إنَّما يَصْعُبُ عَلَيْكَ لِفَرْطِ حُبِّكَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى أعْطاكَ سَوادَ العَيْنِ وسُوَيْداءَ القَلْبِ، ولا شَكَّ أنَّ السَّوادَ أكْبَرُ مِنَ السُّوَيْداءِ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّ السُّوَيْداءَ تَصْغِيرُ السَّوادِ، ثُمَّ إذا وضَعْتَ عَلى سَوادِ عَيْنِكَ جُزْءًا مِنَ الدُّنْيا لا تَرى شَيْئًا، فَكَيْفَ إذا وضَعْتَ عَلى السُّوَيْداءِ كُلَّ الدُّنْيا كَيْفَ تَرى بِقَلْبِكَ شَيْئًا ؟
(ه) قالَ حَكِيمٌ: القَلْبُ مَيِّتٌ وحَياتُهُ بِالعِلْمِ، والعِلْمُ مَيِّتٌ وحَياتُهُ بِالطَّلَبِ، والطَّلَبُ ضَعِيفٌ وقُوَّتُهُ بِالمُدارَسَةِ، فَإذا قَوِيَ بِالمُدارَسَةِ فَهو مُحْتَجِبٌ وإظْهارُهُ بِالمُناظَرَةِ، وإذا ظَهَرَ بِالمُناظَرَةِ فَهو عَقِيمٌ ونِتاجُهُ بِالعَمَلِ، فَإذا زُوِّجَ العِلْمُ بِالعَمَلِ تَوالَدَ وتَناسَلَ مُلْكًا أبَدِيًّا لا آخِرَ لَهُ.