Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:31
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العَلَقِ: ١ - ٥] فَقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن رِعايَةِ التَّناسُبِ بَيْنَ الآياتِ فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ وجْهَ المُناسَبَةِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلَ حالِ الإنْسانِ، وهو كَوْنُهُ عَلَقَةً مَعَ أنَّها أخَسُّ الأشْياءِ، وآخِرَ حالِهِ وهي صَيْرُورَتُهُ عالِمًا وهو أجَلُّ المَراتِبِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كُنْتَ أنْتَ في أوَّلِ حالِكَ في تِلْكَ الدَّرَجَةِ الَّتِي هي غايَةُ الخَساسَةِ فَصِرْتَ في آخِرِ حالِكَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ الَّتِي هي الغايَةُ في الشَّرَفِ، وهَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ العِلْمُ أشْرَفَ المَراتِبِ إذْ لَوْ كانَ غَيْرُهُ أشْرَفَ لَكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ في هَذا المَقامِ أوْلى.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما اسْتَحَقَّ الوَصْفَ بِالأكْرَمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ أعْطى العِلْمَ فَلَوْلا أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ وإلّا لَما كانَتْ إفادَتُهُ أشْرَفَ مِن إفادَةِ غَيْرِهِ.
صفحة ١٧٢