Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:31
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
يُقالُ لَهُ: تَعَوَّدْتَ المُقامَ في الجَنَّةِ فادْخُلِ الجَنَّةَ، ومَنِ اكْتَفى بِالجَهْلِ يُقالُ لَهُ: تَعَوَّدْتَ النّارَ فادْخُلِ النّارَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ جَنَّةٌ، والجَهْلَ نارٌ أنَّ كَمالَ اللَّذَّةِ في إدْراكِ المَحْبُوبِ، وكَمالَ الألَمِ في البُعْدِ عَنِ المَحْبُوبِ، والجِراحَةُ إنَّما تُؤْلِمُ؛ لِأنَّها تُبْعِدُ جُزْءًا مِنَ البَدَنِ عَنْ جُزْءٍ مَحْبُوبٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ وهو الِاجْتِماعُ، فَلَمّا اقْتَضَتِ الجِراحَةُ إزالَةَ ذَلِكَ الِاجْتِماعِ، فَقَدِ اقْتَضَتْ إزالَةَ المَحْبُوبِ وبُعْدَهُ، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ مُؤْلِمًا، والإحْراقُ بِالنّارِ إنَّما كانَ أشَدَّ إيلامًا مِنَ الجُرْحِ؛ لِأنَّ الجُرْحَ لا يُفِيدُ إلّا تَبْعِيدَ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ عَنْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ، أمّا النّارُ فَإنَّها تَغُوصُ في جَمِيعِ الأجْزاءِ فاقْتَضَتْ تَبْعِيدَ جَمِيعِ الأجْزاءِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، فَلَمّا كانَتِ التَّفْرِيقاتُ في الإحْراقِ أشَدَّ كانَ الألَمُ هُناكَ أصْعَبَ، أمّا اللَّذَّةُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ المَحْبُوبِ، فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ تِلْكَ الطُّعُومِ لِمُوافَقَةٍ لِلْبَدَنِ، وكَذَلِكَ لَذَّةُ النَّظَرِ إنَّما تَحْصُلُ؛ لِأنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ مُشْتاقَةٌ إلى إدْراكِ المَرْئِيّاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ الإدْراكُ لَذَّةً لَها، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا أنَّ اللَّذَّةَ عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ المَحْبُوبِ، والألَمَ عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ المَكْرُوهِ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلَّما كانَ الإدْراكُ أغْوَصَ وأشَدَّ، والمُدْرِكُ أشْرَفَ وأكْمَلَ، والمُدْرَكُ أنْقى وأبْقى، وجَبَ أنْ تَكُونَ اللَّذَّةُ أشْرَفَ وأكْمَلَ.