Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:31
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا العالِمُ بِاللَّهِ وبِأحْكامِ اللَّهِ فَهو جالِسٌ عَلى الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَ عالَمِ المَعْقُولاتِ وعالَمِ المَحْسُوساتِ فَهو تارَةً مَعَ اللَّهِ بِالحُبِّ لَهُ، وتارَةً مَعَ الخَلْقِ بِالشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ، فَإذا رَجَعَ مِن رَبِّهِ إلى الخَلْقِ صارَ مَعَهم كَواحِدٍ مِنهم كَأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ، وإذا خَلا بِرَبِّهِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِهِ وخِدْمَتِهِ فَكَأنَّهُ لا يَعْرِفُ الخَلْقَ، فَهَذا سَبِيلُ المُرْسَلِينَ والصِّدِّيقِينَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سائِلِ العُلَماءَ، وخالِطِ الحُكَماءَ، وجالِسِ الكُبَراءَ» “ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «سائِلِ العُلَماءَ» أيِ العُلَماءَ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرَ العالِمِينَ بِاللَّهِ، فَأمَرَ بِمُساءَلَتِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلى اللَّهِ اسْتِفْتاءً مِنهم، وأمّا الحُكَماءُ فَهُمُ العالِمُونَ بِاللَّهِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أوامِرَ اللَّهِ فَأمَرَ بِمُخالَطَتِهِمْ، وأمّا الكُبَراءُ فَهُمُ العالِمُونَ بِاللَّهِ وبِأحْكامِ اللَّهِ فَأمَرَ بِمُجالَسَتِهِمْ؛ لِأنَّ في تِلْكَ المُجالَسَةِ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ قالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ ثَلاثُ عَلاماتٍ، أمّا العالِمُ بِأمْرِ اللَّهِ فَلَهُ ثَلاثُ عَلاماتٍ: أنْ يَكُونَ ذاكِرًا بِاللِّسانِ دُونَ القَلْبِ، وأنْ يَكُونَ خائِفًا مِنَ الخَلْقِ دُونَ الرَّبِّ، وأنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ النّاسِ في الظّاهِرِ ولا يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللَّهِ في السِّرِّ، وأمّا العالِمُ بِاللَّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ ذاكِرًا خائِفًا مُسْتَحْيِيًا.