Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:31
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّانِي: وهو المَشْهُورُ، أنَّ المُرادَ أسْماءُ كُلِّ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن أجْناسِ المُحْدَثاتِ مِن جَمِيعِ اللُّغاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها ولَدُ آدَمَ اليَوْمَ مِنَ العَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ والرُّومِيَّةِ وغَيْرِها، وكانَ ولَدُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذِهِ اللُّغاتِ، فَلَمّا ماتَ آدَمُ وتَفَرَّقَ ولَدُهُ في نَواحِي العالَمِ تَكَلَّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِلُغَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن تِلْكَ اللُّغاتِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اللِّسانُ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ وماتَ مِنهم قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ نَسُوا سائِرَ اللُّغاتِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَغَيُّرِ الألْسِنَةِ في ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أهْلُ المَعانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ أسْماءَ المُسَمَّياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ مُسَمَّياتِ الأسْماءِ، قالُوا: لَكِنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٣] ولَمْ يَقُلْ: أنْبِئُونِي بِهَؤُلاءِ وأنْبَأهم بِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ جَمِيعِ المُسَمَّياتِ، وكانَ في المُسَمَّياتِ ما لا يَكُونُ عاقِلًا، فَلِمَ قالَ عَرَضَهم ولَمْ يَقُلْ عَرَضَها ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ لَمّا كانَ في جُمْلَتِها المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ وهُمُ العُقَلاءُ، فَغُلِّبَ الأكْمَلُ؛ لِأنَّهُ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ بِتَغْلِيبِ الكامِلِ عَلى النّاقِصِ كُلَّما غَلَّبُوا.