Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:30
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهم ذَكَرُوا بَنِي آدَمَ بِما لا يَنْبَغِي وهو الغِيبَةُ، فالجَوابُ أنَّ مَحَلَّ الإشْكالِ في خَلْقِ بَنِي آدَمَ إقْدامُهم عَلى الفَسادِ والقَتْلِ، ومَن أرادَ إيرادَ السُّؤالِ وجَبَ أنْ يَتَعَرَّضَ لِمَحَلِّ الإشْكالِ لا لِغَيْرِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا مِن بَنِي آدَمَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، وما ذَكَرُوا مِنهم عِبادَتَهم وتَوْحِيدَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ الإشْكالِ.
أمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهم مَدَحُوا أنْفُسَهم، وذَلِكَ يُوجِبُ العُجْبَ وتَزْكِيَةَ النَّفْسِ.
فالجَوابُ: أنَّ مَدْحَ النَّفْسِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضُّحى: ١١] وأيْضًا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مَدْحَ النَّفْسِ، بَلِ المُرادُ بَيانُ أنَّ هَذا السُّؤالَ ما أوْرَدْناهُ لِنَقْدَحَ بِهِ في حِكْمَتِكَ يا رَبِّ، فَإنّا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونَعْتَرِفُ لَكَ بِالإلَهِيَّةِ والحِكْمَةِ، فَكَأنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ بَيانُ أنَّهم ما أوْرَدُوا السُّؤالَ لِلطَّعْنِ في الحِكْمَةِ والإلَهِيَّةِ، بَلْ لِطَلَبِ وجْهِ الحِكْمَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ.