Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:30
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّ الشُّرُورَ وإنْ كانَتْ حاصِلَةً في تَرْكِيبِ هَذا العالِمِ السُّفْلِيِّ إلّا أنَّها مِن لَوازِمِ الخَيْراتِ الحاصِلَةِ فِيهِ، وخَيْراتُها غالِبَةٌ عَلى شُرُورِها، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فالمَلائِكَةُ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّرُورَ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ الخَيْراتِ الحاصِلَةَ مِن أجْلِ تَراكِيبِ العالَمِ السُّفْلِيِّ أكْثَرُ مِنَ الشُّرُورِ الحاصِلَةِ فِيها، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي إيجادَ ما هَذا شَأْنُهُ لا تَرْكَهُ، وهَذا جَوابُ الحُكَماءِ.
ورابِعُها: أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في إعْظامِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ العَبْدَ المُخْلِصَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِمَوْلاهُ يَكْرَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدٌ يَعْصِيهِ.
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ مَسْألَةٌ مِنهم أنْ يَجْعَلَ الأرْضَ أوْ بَعْضَها لَهم إنْ كانَ ذَلِكَ صَلاحًا، فَكَأنَّهم قالُوا: يا إلَهَنا اجْعَلِ الأرْضَ لَنا لا لَهم كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] والمَعْنى لا تُهْلِكْنا، فَقالَ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِن صَلاحِكم وصَلاحِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أجْعَلُهم في الأرْضِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ اخْتارَ لَهُمُ السَّماءَ خاصَّةً، ولِهَؤُلاءِ الأرْضَ خاصَّةً لِعِلْمِهِ بِصَلاحِ ذَلِكَ في أدْيانِهِمْ لِيَرْضى كُلُّ فَرِيقٍ بِما اخْتارَهُ اللَّهُ لَهُ.