Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:30
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكُوا بِقِصَّةِ هارُوتَ ومارُوتَ، وزَعَمُوا أنَّهُما كانا مَلَكَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنَّهُما لَمّا نَظَرا إلى ما يَصْنَعُ أهْلُ الأرْضِ مِنَ المَعاصِي أنْكَرا ذَلِكَ وأكْبَراهُ ودَعَوا عَلى أهْلِ الأرْضِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما إنِّي لَوِ ابْتَلَيْتُكُما بِما ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ مِنَ الشَّهَواتِ لَعَصَيْتُمانِي، فَقالا: يا رَبِّ لَوِ ابْتَلَيْتَنا لَمْ نَفْعَلْ فَجَرِّبْنا، فَأهْبَطَهُما إلى الأرْضِ وابْتَلاهُما اللَّهُ بِشَهَواتِ بَنِي آدَمَ، فَمَكَثا في الأرْضِ، وأمَرَ اللَّهُ الكَوْكَبَ المُسَمّى بِالزُّهَرَةِ والمَلَكَ المُوَكَّلَ بِهِ فَهَبَطا إلى الأرْضِ، فَجُعِلَتِ الزُّهَرَةُ في صُورَةِ امْرَأةٍ والمَلَكُ في صُورَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ إنَّ الزُّهَرَةَ اتَّخَذَتْ مَنزِلًا وزَيَّنَتْ نَفْسَها ودَعَتْهُما إلى نَفْسِها، ونَصَبَ المَلَكُ نَفْسَهُ في مَنزِلِها في مِثالِ صَنَمٍ، فَأقْبَلا إلى مَنزِلِها ودَعَواها إلى الفاحِشَةِ، فَأبَتْ عَلَيْهِما إلّا أنْ يَشْرَبا خَمْرًا، فَقالا: لا نَشْرَبُ الخَمْرَ، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِما فَشَرِبا، ثُمَّ دَعَواها إلى ذَلِكَ، فَقالَتْ: بَقِيَتْ خَصْلَةٌ لَسْتُ أُمْكِنُكُما مِن نَفْسِي حَتّى تَفْعَلاها، قالا: وما هي ؟ قالَتْ: تَسْجُدانِ لِهَذا الصَّنَمِ، فَقالا: لا نُشْرِكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِما فَقالا: نَفْعَلُ ثُمَّ نَسْتَغْفِرُ، فَسَجَدا لِلصَّنَمِ فارْتَفَعَتِ الزُّهَرَةُ ومَلَكُها إلى مَوْضِعِهِما مِنَ السَّماءِ، فَعَرَفا حِينَئِذٍ أنَّهُ إنَّما أصابَهُما ذَلِكَ بِسَبَبِ تَعْيِيرِ بَنِي آدَمَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّ الزُّهَرَةَ كانَتْ فاجِرَةً مِن أهْلِ الأرْضِ، وإنَّما واقَعاها بَعْدَ أنْ شَرِبا الخَمْرَ، وقَتَلا النَّفْسَ، وسَجَدا لِلصَّنَمِ، وعَلَّماها الِاسْمَ الأعْظَمَ الَّذِي كانا بِهِ يَعْرُجانِ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتِ المَرْأةُ بِذَلِكَ الِاسْمِ وعَرَجَتْ إلى السَّماءِ، فَمَسَخَها اللَّهُ تَعالى وصَيَّرَها هَذا الكَوْكَبَ المُسَمّى بِالزُّهَرَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَ هارُوتَ ومارُوتَ قَبِيحَ ما فِيهِ وقَعا، ثُمَّ خَيَّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ آجِلًا وبَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا عاجِلًا، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، فَجَعَلَهُما بِبابِلَ مَنكُوسَيْنِ في بِئْرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهُما يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ ويَدْعُوانِ إلَيْهِ ولا يَراهُما أحَدٌ إلّا مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ لِتَعَلُّمِ السِّحْرِ خاصَّةً، وتَعَلَّقُوا في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] . الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، ثُمَّ إنَّهُ عَصى اللَّهَ تَعالى وكَفَرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ.