Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:30
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن عُلَماءِ الدِّينِ اتَّفَقُوا عَلى عِصْمَةِ كُلِّ المَلائِكَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ ومِنَ الحَشْوِيَّةِ مَن خالَفَ في ذَلِكَ ولَنا وُجُوهٌ:
صفحة ١٥٣
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَلائِكَةِ النّارِ، فَإذا أرَدْنا الدَّلالَةَ العامَّةَ تَمَسَّكْنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥٠] فَقَوْلُهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكَ المَنهِيّاتِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنِ الشَّيْءِ مَأْمُورٌ بِتَرْكِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ المَأْمُوراتِ إلّا ويَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ عَلى ما بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٦ - ٢٧ ] فَهَذا صَرِيحٌ في بَراءَتِهِمْ عَنِ المَعاصِي، وكَوْنِهِمْ مُتَوَقِّفِينَ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا بِمُقْتَضى الأمْرِ والوَحْيِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم طَعَنُوا في البَشَرِ بِالمَعْصِيَةِ ولَوْ كانُوا مِنَ العُصاةِ لَما حَسُنَ مِنهم ذَلِكَ الطَّعْنُ.