Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لا تَصِحُّ الحاجَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإلّا لَكانَ قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لِنَفْسِهِ أيْضًا لا لِغَيْرِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِاسْتِواءُ في كَلامِ العَرَبِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الِانْتِصابِ وضِدُّهُ الِاعْوِجاجُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فاللَّهُ تَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ ذَلِكَ، ولِأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ:
صفحة ١٤٣
﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ يَقْتَضِي التَّراخِيَ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِواءِ العُلُوَّ بِالمَكانِ لَكانَ ذَلِكَ العُلُوُّ حاصِلًا أوَّلًا، ولَوْ كانَ حاصِلًا أوَّلًا لَما كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ خَلْقِ ما في الأرْضِ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ يَقْتَضِي التَّراخِيَ، ولَمّا ثَبَتَ هَذا وجَبَ التَّأْوِيلُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الِاسْتِواءَ هو الِاسْتِقامَةُ، يُقالُ: اسْتَوى العُودُ: إذا قامَ واعْتَدَلَ، ثُمَّ قِيلَ: اسْتَوى إلَيْهِ كالسَّهْمِ المُرْسَلِ إذا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ آخَرَ، ومِنهُ اسْتُعِيرَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾، أيْ خَلَقَ بَعْدَ الأرْضِ السَّماءَ ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما زَمانًا ولَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا آخَرَ بَعْدَ خَلْقِهِ الأرْضَ.