Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: مَسْألَةُ العِلْمِ، عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وما رَأيْنا لَكم في دَفْعِ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ كَلامًا مُحِيلًا قَوِيًّا ونَحْنُ لا شَكَّ نَعْلَمُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْكم مَعَ ما مَعَكم مِنَ الذَّكاءِ الضَّعْفَ عَنْ تِلْكَ الأجْوِبَةِ الَّتِي تَكَلَّمُوا بِها، فَكَما أنْصَفْنا واعْتَرَفْنا لَكم بِحُسْنِ الكَلامِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فَأنْصِفُوا أيْضًا واعْتَرِفُوا بِأنَّهُ لا وجْهَ لَكم عَنْ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّ التَّعامِيَ والتَّغافُلَ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ.
وثالِثُها: أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَوْ كانَ بِإيجادِهِ لَما حَصَلَ إلّا الَّذِي قَصَدَ إيجادَهُ، لَكِنَّ أحَدًا لا يُرِيدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ والِاهْتِداءِ، ويَحْتَرِزُ كُلَّ الِاحْتِرازِ عَنِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ الجَهْلُ والإضْلالُ لِلْعَبْدِ مَعَ أنَّهُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ والِاهْتِداءِ ؟ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الكُفْرُ بِالإيمانِ والعِلْمُ بِالجَهْلِ فَظَنَّ في الجَهْلِ أنَّهُ عِلْمٌ، فَقَصَدَ إيقاعَهُ، فَلِذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الجَهْلُ، قُلْنا: ظَنُّهُ في الجَهْلِ أنَّهُ عِلْمٌ ظَنُّ خَطَأٍ، فَإنْ كانَ اخْتارَهُ أوَّلًا فَقَدِ اخْتارَ الجَهْلَ والخَطَأ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِسَبَبِ ظَنٍّ آخَرَ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ قَبْلَ كُلِّ ظَنٍّ ظَنٌّ لا إلى نِهايَةٍ، وهو مُحالٌ.