Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْلِيسَ وفِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِما مُضَلِّلَيْنِ، مَعَ أنَّ فِرْعَوْنَ وإبْلِيسَ ما كانا خالِقَيْنِ لِلضَّلالِ في قُلُوبِ المُسْتَجِيبِينَ لَهُما بِالِاتِّفاقِ، وأمّا عِنْدُ الجَبْرِيَّةِ فَلِأنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ عَلى الإيجادِ، وأمّا عِنْدَ القَدَرِيَّةِ فَلِأنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الإيجادِ، فَلَمّا حَصَلَ اسْمُ المُضِلِّ حَقِيقَةً مَعَ نَفْيِ الخالِقِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ، عَلِمْنا أنَّ اسْمَ المُضِلِّ غَيْرُ مَوْضُوعٍ في اللُّغَةِ لِخالِقِ الضَّلالِ.
صفحة ١٢٨
وثالِثُها: أنَّ الإضْلالَ في مُقابَلَةِ الهِدايَةِ فَكَما صَحَّ أنْ يُقالَ: هَدَيْتُهُ فَما اهْتَدى، وجَبَ صِحَّةُ أنْ يُقالَ: أضْلَلْتُهُ فَما ضَلَّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ حَمْلُ الإضْلالِ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ، وأمّا بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ الضَّلالَ في العَبْدِ ثُمَّ كَلَّفَهُ بِالإيمانِ لَكانَ قَدْ كَلَّفَهُ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وهو سَفَهٌ وظُلْمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وثانِيها: لَوْ كانَ تَعالى خالِقًا لِلْجَهْلِ ومُلَبِّسًا عَلى المُكَلَّفِينَ لَما كانَ مُبَيِّنًا لِما كُلِّفَ العَبْدُ بِهِ، وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُبَيِّنًا.