Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: الإرادَةُ ماهِيَّةٌ يَجِدُها العاقِلُ مِن نَفْسِهِ ويُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ البَدِيهِيَّةَ بَيْنَها وبَيْنَ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وألَمِهِ ولَذَّتِهِ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَصَوُّرُ ماهِيَّتِها مُحْتاجًا إلى التَّعْرِيفِ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّها صِفَةٌ تَقْتَضِي رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ الجائِزِ عَلى الآخَرِ لا في الوُقُوعِ بَلْ في الإيقاعِ، واحْتَرَزْنا بِهَذا القَيْدِ الأخِيرِ عَنِ القُدْرَةِ، واخْتَلَفُوا في كَوْنِهِ تَعالى مُرِيدًا مَعَ اتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى إطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّجّارِيَّةُ: إنَّهُ مَعْنًى سَلْبِيٌّ ومَعْناهُ أنَّهُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ ولا مُسْتَكْرَهٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمْرٌ ثُبُوتِيٌّ، وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الجاحِظُ والكَعْبِيُّ وأبُو الحَسَنِ البَصْرِيُّ: مَعْناهُ عِلْمُهُ تَعالى بِاشْتِمالِ الفِعْلِ عَلى المَصْلَحَةِ أوِ المَفْسَدَةِ، ويُسَمُّونَ هَذا العِلْمَ بِالدّاعِي أوِ الصّارِفِ، وقالَ أصْحابُنا وأبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ وأتْباعُهُما: إنَّهُ صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، ثُمَّ القِسْمَةُ في تِلْكَ الصِّفَةِ، إمّا أنْ تَكُونَ ذاتِيَّةً وهو القَوْلُ الثّانِي لِلنَّجّارِيَّةِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْنَوِيَّةً، وذَلِكَ المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا وهو قَوْلُ الأشْعَرِيَّةِ، أوْ مُحْدَثًا وذَلِكَ المُحْدَثُ إمّا أنْ يَكُونَ قائِمًا بِاللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ، أوْ قائِمًا بِجِسْمٍ آخَرَ، وهَذا القَوْلَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، أوْ يَكُونَ مَوْجُودًا لا في مَحَلٍّ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ وأبِي هاشِمٍ وأتْباعِهِما.