Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: وهو القانُونُ في أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ أنَّ كُلَّ صِفَةٍ ثَبَتَتْ لِلْعَبْدِ مِمّا يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ فَإذا وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ، مِثالُهُ أنَّ الحَياءَ حالَةٌ تَحْصُلُ لِلْإنْسانِ لَكِنَّ لَها مَبْدَأً ومُنْتَهًى، أمّا المَبْدَأُ فَهو التَّغَيُّرُ الجُسْمانِيُّ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ مِن خَوْفِ أنْ يُنْسَبَ إلى القَبِيحِ، وأمّا النِّهايَةُ فَهو أنْ يَتْرُكَ الإنْسانُ ذَلِكَ الفِعْلَ، فَإذا ورَدَ الحَياءُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ الخَوْفُ الَّذِي هو مَبْدَأُ الحَياءِ ومُقَدَّمَتُهُ، بَلْ تَرْكُ الفِعْلِ الَّذِي هو مُنْتَهاهُ وغايَتُهُ، وكَذَلِكَ الغَضَبُ لَهُ عَلامَةٌ ومُقَدَّمَةٌ وهي غَلَيانُ دَمِ القَلْبِ وشَهْوَةُ الِانْتِقامِ، ولَهُ غايَةٌ وهو إنْزالُ العِقابِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإذا وصَفْنا اللَّهَ تَعالى بِالغَضَبِ فَلَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ المَبْدَأ - أعْنِي شَهْوَةَ الِانْتِقامِ وغَلَيانَ دَمِ القَلْبِ - بَلِ المُرادُ تِلْكَ النِّهايَةُ وهو إنْزالُ العِقابِ، فَهَذا هو القانُونُ الكُلِّيُّ في هَذا البابِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تَقَعَ هَذِهِ العِبارَةُ في كَلامِ الكَفَرَةِ فَقالُوا: أمّا يَسْتَحِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، فَجاءَ هَذا الكَلامُ عَلى سَبِيلِ إطْباقِ الجَوابِ عَلى السُّؤالِ، وهَذا فَنٌّ بَدِيعٌ مِنَ الكَلامِ، ثُمَّ
صفحة ١٢٣