Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: وهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ كانَ مُتَّهَمًا عِنْدَهم فِيما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ فَقَدْ كانَ مَعْلُومَ الحالِ في وُفُورِ العَقْلِ والفَضْلِ والمَعْرِفَةِ بِالعَواقِبِ، فَلَوْ تَطَرَّقَتِ التُّهْمَةُ إلى ما ادَّعاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ لَما اسْتَجازَ أنْ يَتَحَدّاهم ويَبْلُغَ في التَّحَدِّي إلى نِهايَتِهِ، بَلْ كانَ يَكُونُ وجِلًا خائِفًا مِمّا يَتَوَقَّعُهُ مِن فَضِيحَةٍ يَعُودُ وبالُها عَلى جَمِيعِ أُمُورِهِ، حاشاهُ مِن ذَلِكَ ﷺ فَلَوْلا مَعْرِفَتُهُ بِالِاضْطِرارِ مِن حالِهِمْ أنَّهم عاجِزُونَ عَنِ المُعارَضَةِ لَما جَوَّزَ مِن نَفْسِهِ أنْ يَحْمِلَهم عَلى المُعارَضَةِ بِأبْلَغِ الطُّرُقِ.
وثالِثُها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَوْ لَمْ يَكُنْ قاطِعًا بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ لَما قَطَعَ في الخَبَرِ بِأنَّهم لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ قاطِعًا بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ كانَ يَجُوزُ خِلافُهُ، وبِتَقْدِيرِ وُقُوعِ خِلافِهِ يَظْهَرُ كَذِبُهُ، فالمُبْطِلُ المُزَوِّرُ البَتَّةَ لا يَقْطَعُ في الكَلامِ ولا يَجْزِمُ بِهِ، فَلَمّا جَزَمَ دَلَّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ قاطِعًا في أمْرِهِ.
ورابِعُها: أنَّهُ وُجِدَ مُخْبَرُ هَذا الخَبَرِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ لِأنَّ مِن أيّامِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى عَصْرِنا هَذا لَمْ يَخْلُ وقْتٌ مِنَ الأوْقاتِ مِمَّنْ يُعادِي الدِّينَ والإسْلامَ وتَشْتَدُّ دَواعِيهِ في الوَقِيعَةِ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ مَعَ هَذا الحِرْصِ الشَّدِيدِ لَمْ تُوجَدِ المُعارَضَةُ قَطُّ.