Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِما مَعًا ؟ وبِتَقْدِيرِ التَّعَذُّرِ فَأيُّهُما أوْلى ؟ قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَمُمْكِنٌ لِأنَّ الشُّهَداءَ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ أوِ القائِمِ بِالشَّهادَةِ، فَيُمْكِنُ جَعْلُهُ مَجازًا عَنِ المُعِينِ والنّاصِرِ، وأوْثانُهم وأكابِرُهم مُشْتَرِكَةٌ في أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِمْ كَوْنَهم أنْصارًا لَهم وأعْوانًا، وإذا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى هَذا المَفْهُومِ المُشْتَرَكِ دَخَلَ الكُلُّ فِيهِ. وأمّا الثّانِي فَنَقُولُ: الأوْلى حَمْلُهُ عَلى الأكابِرِ، وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ الشُّهَداءِ لا يُطْلَقُ ظاهِرًا إلّا عَلى مَن يَصِحُّ أنْ يُشاهِدَ ويَشْهَدَ، فَيَتَحَمَّلُ بِالمُشاهَدَةِ ويُؤَدِّي الشَّهادَةَ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في حَقِّ رُؤَسائِهِمْ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الأوْثانِ لَزِمَ المَجازُ في إطْلاقِ لَفْظِ الشُّهَداءِ عَلى الأوْثانِ، أوْ يُقالُ: المُرادُ: وادْعُوا مَن تَزْعُمُونَ أنَّهم شُهَداؤُكم، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، أمّا إذا حَمَلْنا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صَحَّ الكَلامُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وادْعُوا مَن يَشْهَدُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ لِاتِّفاقِكم عَلى هَذا الإنْكارِ. فَإنَّ المُتَّفِقِينَ عَلى المَذْهَبِ يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمَكانِ المُوافَقَةِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ في قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَكُمْ﴾، ولِأنَّهُ كانَ في العَرَبِ أكابِرُ يَشْهَدُونَ عَلى المُتَنازِعِينَ في الفَصاحَةِ بِأنَّ أيَّهُما أعْلى دَرَجَةً مِنَ الآخَرِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ حَمْلَ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَجازِ.