Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ في القُرْآنِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ تَقْتَضِي نُقْصانَ فَصاحَتِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ في الفَصاحَةِ بَلَغَ النِّهايَةَ الَّتِي لا غايَةَ لَها وراءَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا:
أحَدُها: أنَّ فَصاحَةَ العَرَبِ أكْثَرُها في وصْفِ مُشاهَداتٍ مِثْلَ وصْفِ بِعِيرٍ أوْ فَرَسٍ أوْ جارِيَةٍ أوْ مَلِكٍ أوْ ضَرْبَةٍ أوْ طَعْنَةٍ، أوْ وصْفِ حَرْبٍ أوْ وصْفِ غارَةٍ، ولَيْسَ في القُرْآنِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ شَيْءٌ فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَحْصُلَ فِيهِ الألْفاظُ الفَصِيحَةُ الَّتِي اتَّفَقَتِ العَرَبُ عَلَيْها في كَلامِهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى راعى فِيهِ طَرِيقَةَ الصِّدْقِ وتَنَزَّهَ عَنِ الكَذِبِ في جَمِيعِهِ، وكُلُّ شاعِرٍ تَرَكَ الكَذِبَ والتَزَمَ
صفحة ١٠٧
الصِّدْقَ نَزَلَ شِعْرُهُ ولَمْ يَكُنْ جَيِّدًا، ألا تَرى أنَّ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ لَمّا أسْلَما نَزَلَ شِعْرُهُما. ولَمْ يَكُنْ شِعْرُهُما الإسْلامِيُّ في الجَوْدَةِ كَشِعْرِهِما الجاهِلِيِّ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَ ما تَنَزَّهَ عَنِ الكَذِبِ والمُجازَفَةِ جاءَ بِالقُرْآنِ فَصِيحًا كَما تَرى.
وثالِثُها: أنَّ الكَلامَ الفَصِيحَ والشِّعْرَ الفَصِيحَ إنَّما يَتَّفِقُ في القَصِيدَةِ في البَيْتِ والبَيْتَيْنِ. والباقِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ القُرْآنُ لِأنَّهُ كُلَّهُ فَصِيحٌ بِحَيْثُ يَعْجَزُ الخَلْقُ عَنْهُ كَما عَجَزُوا عَنْ جُمْلَتِهِ.