Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا الشَّمْسُ فَتَفَكَّرْ في طُلُوعِها وغُرُوبِها، فَلَوْلا ذَلِكَ لَبَطَلَ أمْرُ العالَمِ كُلِّهِ، فَكَيْفَ كانَ النّاسُ يَسْعَوْنَ في مَعايِشِهِمْ، ثُمَّ المَنفَعَةُ في طُلُوعِ الشَّمْسِ ظاهِرَةٌ، ولَكِنْ تَأمَّلِ النَّفْعَ في غُرُوبِها، فَلَوْلا غُرُوبُها لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ هُدُوٌّ ولا قَرارٌ مَعَ احْتِياجِهِمْ إلى الهُدُوِّ والقَرارِ لِتَحْصِيلِ الرّاحَةِ وانْبِعاثِ القُوَّةِ الهاضِمَةِ وتَنْفِيذِ الغِذاءِ إلى الأعْضاءِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وأيْضًا فَلَوْلا الغُرُوبُ لَكانَ الحِرْصُ يَحْمِلُهم عَلى المُداوَمَةِ عَلى العَمَلِ عَلى ما قالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١] والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْلا الغُرُوبُ لَكانَتِ الأرْضُ تَحْمى بِشُرُوقِ الشَّمْسِ عَلَيْها حَتّى يَحْتَرِقَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن حَيَوانٍ، ويَهْلَكَ ما عَلَيْها مِن نَباتٍ عَلى ما قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥]، فَصارَتِ الشَّمْسُ بِحِكْمَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى تَطْلُعُ في وقْتٍ وتَغِيبُ في وقْتٍ، بِمَنزِلَةِ سِراجٍ يُدْفَعُ لِأهْلِ بَيْتٍ بِمِقْدارِ حاجَتِهِمْ ثُمَّ يُرْفَعُ عَنْهم لِيَسْتَقِرُّوا ويَسْتَرِيحُوا، فَصارَ النُّورُ والظُّلْمَةُ عَلى تَضادِّهِما مُتَعاوِنَيْنِ مُتَظاهِرَيْنِ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ العالَمِ، هَذا كُلُّهُ في طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها.