Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: انْظُرْ إلى الأرْضِ لِتَعْرِفَ أنَّها مُسْتَقِرَّةٌ بِلا عَلّاقَةٍ فَوْقَها ولا دِعامَةٍ تَحْتَها، أمّا أنَّها لا عَلّاقَةَ فَوْقَها فَمُشاهَدٌ، عَلى أنَّها لَوْ كانَتْ مُعَلَّقَةً بِعَلّاقَةٍ لاحْتاجَتِ العَلّاقَةُ إلى عَلّاقَةٍ أُخْرى لا إلى نِهايَةٍ، وبِهَذا الوَجْهِ ثَبَتَ أنَّهُ لا دِعامَةَ تَحْتَها فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُمْسِكٍ يُمْسِكُها بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] .
الشَّرْطُ الثّانِي في كَوْنِ الأرْضِ فِراشًا لَنا: أنْ لا تَكُونَ في غايَةِ الصَّلابَةِ كالحَجَرِ، فَإنَّ النَّوْمَ والمَشْيَ عَلَيْهِ مِمّا يُؤْلِمُ البَدَنَ، وأيْضًا فَلَوْ كانَتِ الأرْضُ مِنَ الذَّهَبِ مَثَلًا لَتَعَذَّرَتِ الزِّراعَةُ عَلَيْها، ولا يُمْكِنُ اتِّخاذُ الأبْنِيَةِ مِنهُ لِتَعَذُّرِ حَفْرِها وتَرْكِيبِها كَما يُرادُ؛ وأنْ لا تَكُونَ في غايَةِ اللِّينِ، كالماءِ الَّذِي تَغُوصُ فِيهِ الرِّجْلُ.
الشَّرْطُ الثّالِثُ: أنْ لا تَكُونَ في غايَةِ اللَّطافَةِ والشَّفافِيَّةِ؛ فَإنَّ الشَّفّافَ لا يَسْتَقِرُّ النُّورُ عَلَيْهِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَتَسَخَّنُ مِنَ الكَواكِبِ والشَّمْسِ، فَكانَ يَبْرُدُ جِدًّا، فَجَعَلَ اللَّهُ كَوْنَهُ أغْبَرَ، لِيَسْتَقِرَّ النُّورُ عَلَيْهِ فَيَتَسَخَّنَ فَيَصْلُحَ أنْ يَكُونَ فِراشًا لِلْحَيَواناتِ.