Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، اثْنَيْنِ مِنَ الأنْفُسِ وثَلاثَةً مِنَ الآفاقِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وثانِيًا: بِالآباءِ والأُمَّهاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وثالِثًا: بِكَوْنِ الأرْضِ فِراشًا، ورابِعًا: بِكَوْنِ السَّماءِ بِناءً، وخامِسًا: بِالأُمُورِ الحاصِلَةِ مِن مَجْمُوعِ السَّماءِ والأرْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ . ولِهَذا التَّرْتِيبِ أسْبابٌ، الأوَّلُ: أنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ إلى الإنْسانِ نَفْسُهُ، وعِلْمُ الإنْسانِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ أظْهَرُ مِن عِلْمِهِ بِأحْوالِ غَيْرِهِ، وإذا كانَ الغَرَضُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إفادَةَ العِلْمِ، فَكُلَّما كانَ أظْهَرَ دَلالَةً كانَ أقْوى إفادَةً، وكانَ أوْلى بِالذِّكْرِ. فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ نَفْسِ الإنْسانِ، ثُمَّ ثَنّاهُ بِآبائِهِ وأُمَّهاتِهِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالأرْضِ؛ لِأنَّ الأرْضَ أقْرَبُ إلى الإنْسانِ مِنَ السَّماءِ والإنْسانَ أعْرَفُ بِحالِ الأرْضِ مِنهُ بِأحْوالِ السَّماءِ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ السَّماءِ عَلى نُزُولِ الماءِ مِنَ السَّماءِ وخُرُوجِ الثَّمَراتِ بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالأمْرِ المُتَوَلَّدِ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ والأثَرُ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤَثِّرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أخَّرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ الأرْضِ والسَّماءِ.