Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَكُونُ قادِرًا عَلى إدْخالِ الشَّيْءِ في الوُجُودِ لَوْ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يُمَيَّزَ ذَلِكَ المَطْلُوبَ عَنْ غَيْرِهِ، والعِلْمُ إنَّما يَتَمَيَّزُ عَنِ الجَهْلِ بِكَوْنِهِ مُطابِقًا لِلْمَعْلُومِ دُونَ الجَهْلِ، وإنَّما يُعْلَمُ ذَلِكَ لَوْ عُلِمَ المَعْلُومُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، فَإذَنْ لا يُمْكِنُهُ إيجادُ العِلْمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ العَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِن إيجادِ العَلَمِ ولا مِن طَلَبِهِ.
وثالِثُها: أنَّ المُوجِبَ لِلنَّظَرِ، إمّا ضَرُورَةُ العَقْلِ أوِ النَّظَرِ أوِ السَّمْعِ. والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ الضَّرُورِيَّ لَمْ يُشْتَرَطِ العَقْلُ فِيهِ، ووُجُوبُ الفِكْرِ والنَّظَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ العُقَلاءِ يَسْتَقْبِحُونَهُ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ في الأكْثَرِ يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى الجَهْلِ، فَوَجَبَ الِاحْتِرازُ مِنهُ.
والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ العِلْمُ بِوُجُوبِهِ يَكُونُ نَظَرِيًّا، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُهُ العِلْمُ بِوُجُوبِ النَّظَرِ قَبْلَ النَّظَرِ، فَتَكْلِيفُهُ بِذَلِكَ يَكُونُ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأمّا بَعْدَ النَّظَرِ فَلا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ؛ لِأنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ.