Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
بَيانُ الثّانِي أنَّ التَّصْدِيقَ مَوْقُوفٌ عَلى التَّصَوُّرِ، فَإذا فُقِدَ التَّصَوُّرُ امْتَنَعَ التَّصْدِيقُ، ولا يُقالُ: ذاتُهُ تَعالى وإنْ لَمْ تَكُنْ مُتَصَوَّرَةً بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي لَهُ لَكِنَّها مُتَصَوَّرَةٌ بِحَسَبِ لَوازِمِها؛ أعْنِي أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ شَيْءٌ ما، يَلْزَمُهُ الوُجُوبُ والتَّنْزِيهُ والدَّوامُ فَيُحْكَمُ عَلى هَذا المُتَصَوَّرِ، قُلْنا: هَذِهِ الأُمُورُ المَعْلُومَةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها نَفْسُ الذّاتِ، وهو مُحالٌ، أوْ أُمُورٌ خارِجَةٌ عَنِ الذّاتِ، فَلَمّا لَمْ نَعْلَمِ الذّاتَ لا يُمْكِنُنا أنْ نَعْلَمَ كَوْنَها مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفاتِ، فَإنْ كانَ التَّصَوُّرُ الَّذِي هو شَرْطُ إسْنادِ هَذِهِ الصِّفاتِ إلى ذاتِهِ هو أيْضًا تَصَوُّرٌ بِحَسَبِ صِفاتٍ أُخَرَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ أظْهَرَ الأشْياءِ عِنْدَنا ذاتُنا وحَقِيقَتُنا الَّتِي إلَيْها نُشِيرُ بِقَوْلِنا: أنا. ثُمَّ النّاسُ تَحَيَّرُوا في ماهِيَّةِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ: أنا، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هو هَذا البِنْيَةُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: هو المِزاجُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بَعْضُ الأجْزاءِ الدّاخِلَةِ في هَذِهِ البِنْيَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: شَيْءٌ لا داخِلَ هَذا البَدَنِ ولا خارِجَهُ، فَإذا كانَ الحالُ في أظْهَرِ الأشْياءِ كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِأبْعَدِ الأشْياءِ مُناسَبَةً عَنّا وعَنْ أحْوالِنا.
صفحة ٨٦