Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَأحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: بِالحِكْمَةِ؛ أيْ بِالبُرْهانِ والحُجَّةِ، فَكانَتِ الدَّعْوَةُ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ إلى اللَّهِ تَعالى مَأْمُورًا بِها. وقَوْلُهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ المُجادَلَةَ في فُرُوعِ الشَّرْعِ؛ لِأنَّ مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ فَلا فائِدَةَ في الخَوْضِ مَعَهُ في تَفارِيعِ الشَّرْعِ، ومَن أثْبَتَ نُبُوَّتَهُ فَإنَّهُ لا يُخالِفُهُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا الجِدالَ كانَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَكانَ الجِدالُ فِيهِ مَأْمُورًا بِهِ ثُمَّ إنّا مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ولِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فَوَجَبَ كَوْنُنا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الجِدالِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [ الحَجِّ: ٣، ٨، لُقْمانَ: ٢٠ ]، ذَمُّ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المُجادِلَ بِالعِلْمِ لا يَكُونُ مَذْمُومًا بَلْ يَكُونُ مَمْدُوحًا، وأيْضًا حَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هود: ٣٢] .