Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنَّ الَّذِي ورَدَ بِهِ التَّكْلِيفُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ في الأزَلِ وُقُوعَهُ، أوْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقَعُ أوْ لَمْ يَعْلَمْ لا هَذا ولا ذاكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ واجِبُ الوُقُوعِ مُمْتَنِعَ العَدَمِ، فَلا فائِدَةَ في وُرُودِ الأمْرِ بِهِ، وإنْ عُلِمَ لا وُقُوعُهُ كانَ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ واجِبَ العَدَمِ، فَكانَ الأمْرُ بِإيقاعِهِ أمْرًا بِإيقاعِ المُمْتَنِعِ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ لا هَذا ولا ذاكَ كانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِالجَهْلِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو مُحالٌ؛ ولِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَتَمَيَّزُ المُطِيعُ عَنِ العاصِي، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في الطّاعَةِ فائِدَةٌ.
وثالِثُها: أنَّ وُرُودَ الأمْرِ بِالتَّكالِيفِ إمّا أنْ يَكُونَ لِفائِدَةٍ أوْ لا لِفائِدَةٍ، فَإنْ كانَ لِفائِدَةٍ فَهي إمّا عائِدَةٌ إلى المَعْبُودِ أوْ إلى العابِدِ أمّا إلى المَعْبُودِ فَمُحالٌ؛ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ لا يَكُونُ كامِلًا بِغَيْرِهِ؛ ولِأنّا نَعْلَمُ
صفحة ٧٩
بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإلَهَ العالِيَ عَلى الدَّهْرِ والزَّمانِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْتَفِعَ بِرُكُوعِ العَبْدِ وسُجُودِهِ، وأمّا إلى العابِدِ فَمُحالٌ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الفَوائِدِ مَحْصُورَةٌ في حُصُولِ اللَّذَّةِ ودَفْعِ الألَمِ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِ كُلِّ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ هَذِهِ المَشاقِّ، فَيَكُونُ تَوَسُّطُها عَبَثًا، والعَبَثُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الحَكِيمِ.