Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:19-20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠] فَهو اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ كَأنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَقُولُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ في حالَتَيْ ظُهُورِ البَرْقِ وخَفائِهِ، والمَقْصُودُ تَمْثِيلُ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُنافِقِينَ بِشِدَّتِهِ عَلى أصْحابِ الصَّيِّبِ وما هم فِيهِ مِن غايَةِ التَّحَيُّرِ والجَهْلِ بِما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ إذا صادَفُوا مِنَ البَرْقِ خَفْقَةً مَعَ خَوْفِ أنْ يَخْطَفَ أبْصارَهُمُ انْتَهَزُوا تِلْكَ الخَفْقَةَ فُرْصَةً فَخَطَوْا خُطُواتٍ يَسِيرَةً، فَإذا خَفِيَ وفَتَرَ لَمَعانُهُ بَقُوا واقِفِينَ مُتَقَيِّدِينَ عَنِ الحَرَكَةِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَزادَ في قَصْفِ الرَّعْدِ فَأصَمَّهم، وفي ضَوْءِ البَرْقِ فَأعْماهم، وأضاءَ إمّا مُتَعَدٍّ بِمَعْنى كُلَّما نَوَّرَ لَهم مَسْلَكًا أخَذُوهُ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وإمّا غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى كُلَّما لَمَعَ لَهم مَشَوْا في مَطْرَحِ نُورِهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ ”كُلَّما ضاءَ“ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ مَعَ الإضاءَةِ كُلَّما، ومَعَ الإظْلامِ إذا ؟ .
قُلْنا: لِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى إمْكانِ المَشْيِ، فَكُلَّما صادَفُوا مِنهُ فُرْصَةً انْتَهَزُوها ولَيْسَ كَذَلِكَ التَّوَقُّفُ، والأقْرَبُ في أظْلَمَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ وهو الظّاهِرُ، ومَعْنى قامُوا وقَفُوا وثَبَتُوا في مَكانِهِمْ، ومِنهُ قامَتِ السُّوقُ، وقامَ الماءُ جَمَدَ، ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ الجَوابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ
صفحة ٧٤