Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:17-18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنْ نَقُولَ: لَيْسَ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ لِلْمُنافِقِ نُورًا، بَلْ وجْهُ التَّشْبِيهِ بِهَذا المُسْتَوْقِدِ أنَّهُ لَمّا زالَ النُّورُ عَنْهُ تَحَيَّرَ، والتَّحَيُّرُ فِيمَن كانَ في نُورٍ ثُمَّ زالَ عَنْهُ أشَدُّ مِن تَحَيُّرِ سالِكِ الطَّرِيقِ في ظُلْمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، لَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النُّورَ في مُسْتَوْقِدِ النّارِ لِكَيْ يَصِحَّ أنْ يُوصَفَ بِهَذِهِ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ، لا أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ مَجْمَعُ النُّورِ والظُّلْمَةِ.
ورابِعُها: أنَّ الَّذِي أظْهَرُوهُ يُوهِمُ أنَّهُ مِن بابِ النُّورِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، وذَهابُ النُّورِ هو ما يُظْهِرُهُ لِأصْحابِهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، ومَن قالَ بِهَذا قالَ إنَّ المَثَلَ إنَّما عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ فالنّارُ مَثَلٌ لِقَوْلِهِمْ: ”آمَنّا“ وذَهابُهُ مَثَلٌ لِقَوْلِهِمْ لِلْكُفّارِ: ”إنّا مَعَكم“ فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ صارَ ما يُظْهِرُهُ المُنافِقُ مِن كَلِمَةِ الإيمانِ مَثَلًا بِالنُّورِ وهو حِينَ تَكَلَّمَ بِها أضْمَرَ خِلافَها ؟ قُلْنا إنَّهُ لَوْ ضَمَّ إلى القَوْلِ اعْتِقادًا لَهُ وعَمَلًا بِهِ لَأتَمَّ النُّورَ لِنَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَتِمَّ نُورُهُ، وإنَّما سَمّى مُجَرَّدَ ذَلِكَ القَوْلِ نُورًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ.