Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِلدَّواعِي الَّتِي تُوجِبُ المَعاصِيَ، فَيَكُونُ هو المُلْجِئَ إلَيْها فَيَقْبُحُ أنْ يُعاقِبَ عَلَيْها، إنَّما قُلْنا إنَّهُ الخالِقُ لِتِلْكَ الدَّواعِي، لَمّا بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ عَنْ مَقْدِرَةٍ يَتَوَقَّفُ عَلى انْضِمامِ الدّاعِيَةِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى إلَيْها، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الجَبْرَ، وتَعْذِيبُ المَجْبُورِ قَبِيحٌ في العُقُولِ، ورُبَّما قَرَّرُوا هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالُوا: إذا كانَتِ الأوامِرُ والنَّواهِي الشَّرْعِيَّةُ قَدْ جاءَتْ إلى شَخْصَيْنِ مِنَ النّاسِ فَقَبِلَها أحَدُهُما وخالَفَها الآخَرُ فَأُثِيبَ أحَدُهُما وعُوقِبَ الآخَرُ، فَإذا قِيلَ لِمَ قَبِلَ هَذا وخالَفَ الآخَرُ ؟ فَيُقالُ: لِأنَّ القابِلَ أحَبَّ الثَّوابَ وحَذِرَ العِقابَ فَأطاعَ، والآخَرُ لَمْ يُحِبَّ ولَمْ يَحْذَرْ فَعَصى، أوْ أنَّ هَذا أصْغى إلى مَن وعَظَهُ وفَهِمَ عَنْهُ مَقالَتَهُ فَأطاعَ، وهَذا لَمْ يُصْغِ ولَمْ يَفْهَمْ فَعَصى، فَيُقالُ: ولِمَ أصْغى هَذا وفَهِمَ ولَمْ يُصْغِ ذَلِكَ ولَمْ يَفْهَمْ ؟ فَنَقُولُ: لِأنَّ هَذا لَبِيبٌ حازِمٌ فَطِنٌ، وذَلِكَ أخْرَقُ جاهِلٌ غَبِيٌّ، فَيُقالُ: ولِمَ اخْتُصَّ هَذا بِالحَزْمِ والفِطْنَةِ دُونَ ذاكَ؟ ولا شَكَّ أنَّ الفِطْنَةَ والبَلادَةَ مِنَ الأحْوالِ الغَرِيزِيَّةِ فَإنَّ الإنْسانَ لا يَخْتارُ الغَباوَةَ والخَرَقَ ولا يَفْعَلُهُما في نَفْسِهِ فَإذا تَناهَتِ التَّعْلِيلاتُ إلى أُمُورٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى اضْطِرارًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ يُمْكِنُكَ أنْ تُسَوِّيَ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ اللَّذَيْنِ أطاعَ أحَدُهُما وعَصى الآخَرُ في كُلِّ حالٍ أعْنِي في العَقْلِ والجَهْلِ، والفَطانَةِ والغَباوَةِ، والحَزْمِ والخَرَقِ، والمُعَلِّمِينَ والباعِثِينَ والزّاجِرِينَ، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَقُولَ إنَّهُما لَوِ اسْتَوَيا في ذَلِكَ كُلِّهِ لَما اسْتَوَيا في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَإذَنْ سَبَبُ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ مِنَ الأشْخاصِ أُمُورٌ وقَعَتْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ، وعِنْدَ هَذا يُقالُ: أيْنَ مِنَ العَدْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ أنْ يُخْلَقَ العاصِي عَلى ما خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الفَظاظَةِ والجَسارَةِ، والغَباوَةِ والقَساوَةِ، والطَّيْشِ والخَرَقِ، ثُمَّ يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ؟ وهَلّا خَلَقَهُ مِثْلَ ما خَلَقَ الطّائِعَ لَبِيبًا حازِمًا عارِفًا عالِمًا، وأيْنَ مِنَ العَدْلِ أنْ يُسَخِّنَ قَلْبَهُ ويُقَوِّيَ غَضَبَهُ ويُلْهِبَ دِماغَهُ ويُكْثِرَ طَيْشَهُ ولا يَرْزُقَهُ ما رَزَقَ غَيْرَهُ مِن مُؤَدِّبٍ أدِيبٍ ومُعَلِّمٍ عالِمٍ، وواعِظٍ مُبَلِّغٍ، بَلْ يُقَيِّضُ لَهُ أضْدادَ هَؤُلاءِ في أفْعالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ فَيَتَعَلَّمُ مِنهم، ثُمَّ يُؤاخِذُهُ بِما يُؤاخِذُ بِهِ اللَّبِيبَ الحازِمَ، والعاقِلَ العالِمَ، البارِدَ الرَّأْسِ، المُعْتَدِلَ مِزاجِ القَلْبِ، اللَّطِيفَ الرُّوحِ الَّذِي رَزَقَهُ مُرَبِّيًا شَفِيقًا، ومُعَلِّمًا كامِلًا؟ ما هَذا مِنَ العَدْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ والرَّأْفَةِ في شَيْءٍ ! فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِالعِقابِ عَلى خِلافِ قَضايا العُقُولِ.