Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وسادِسُها: أنَّ الأمْرَ بِالمُحالِ سَفَهٌ وعَبَثٌ، فَلَوْ جازَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ لَجازَ وُرُودُهُ أيْضًا بِكُلِّ أنْواعِ السَّفَهِ، فَما كانَ يَمْتَنِعُ وُرُودُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الكاذِبِينَ، ولا إنْزالِ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى وُثُوقٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ ولا بِصِحَّةِ القُرْآنِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّهُ كَذِبًا وسَفَهًا، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الإيمانِ والخَبَرَ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإيمانِ.
وسابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ وُرُودُ الأمْرِ بِالمُحالِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَجازَ
صفحة ٤٢
وُرُودُ أمْرِ الأعْمى بِنَقْطِ المَصاحِفِ، والمُزْمِنِ بِالطَّيَرانِ في الهَواءِ، وأنْ يُقالَ لِمَن قُيِّدَ يَداهُ ورِجْلاهُ وأُلْقِيَ مِن شاهِقِ جَبَلٍ: لِمَ لا تَطِيرُ إلى فَوْقٍ ؟ ولَمّا لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في العُقُولِ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَجُوزُ الأمْرُ بِالمُحالِ، فَثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعَدَمِ لا يَمْنَعُ مِنَ الوُجُودِ.
وثامِنُها: لَوْ جازَ وُرُودُ الأمْرِ بِذَلِكَ لَجازَ بِعْثَةُ الأنْبِياءِ إلى الجَماداتِ وإنْزالُ الكُتُبِ عَلَيْها، وإنْزالُ المَلائِكَةِ لِتَبْلِيغِ التَّكالِيفِ إلَيْها حالًا بَعْدَ حالٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سُخْرِيَةٌ وتَلاعُبٌ بِالدِّينِ.