Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): احْتَجَّ أهْلُ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ وكُلِّ ما أشْبَهَها مِن قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المُدَّثِّرِ: ١١، ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] عَلى تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ قَطُّ، فَلَوْ صَدَرَ مِنهُ الإيمانُ لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى الصِّدْقِ كَذِبًا، والكَذِبُ عِنْدَ الخَصْمِ قَبِيحٌ، وفِعْلُ القَبِيحِ يَسْتَلْزِمُ إمّا الجَهْلَ وإمّا الحاجَةَ، وهُما مُحالانِ عَلى اللَّهِ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَصُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالٌ، فالتَّكْلِيفُ بِهِ تَكْلِيفٌ بِالمُحالِ، وقَدْ يُذْكَرُ هَذا في صُورَةِ العِلْمِ، هو أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ. فالأمْرُ واقِعٌ بِالمُحالِ. ونَذْكُرُ هَذا عَلى وجْهٍ ثالِثٍ: وهو أنَّ وُجُودَ الإيمانِ يَسْتَحِيلُ أنْ يُوجَدَ مَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِلْمًا لَوْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْلُومِ، والعِلْمُ بِعَدَمِ الإيمانِ إنَّما يَكُونُ مُطابِقًا لَوْ حَصَلَ عَدَمُ الإيمانِ، فَلَوْ وُجِدَ الإيمانُ مَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ لَزِمَ أنْ يَجْتَمِعَ في الإيمانِ كَوْنُهُ مَوْجُودًا ومَعْدُومًا مَعًا، وهو مُحالٌ، فالأمْرُ بِالإيمانِ مَعَ وُجُودِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ أمْرٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، بَلْ أمْرٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ العَدَمِ والوُجُودِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، ونَذْكُرُ هَذا عَلى وجْهٍ رابِعٍ: وهو أنَّهُ تَعالى كَلَّفَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالإيمانِ ألْبَتَّةَ، والإيمانُ يُعْتَبَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ومِمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ قَطُّ، فَقَدْ صارُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ قَطُّ، وهَذا تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، ونَذْكُرُ هَذا عَلى وجْهٍ خامِسٍ: وهو أنَّهُ تَعالى عابَ الكُفّارَ عَلى أنَّهم