Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا مُخْتَصِمٌ أخُوهُ وابْنُ عَمِّهِ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم“ في مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، وسَواءٌ خَبَرُهُ مُقَدَّمًا بِمَعْنى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِإنَّ، واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الثّانِيَ أوْلى؛ لِأنَّ ”سَواءٌ“ اسْمٌ، وتَنْزِيلَهُ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ يَكُونُ تَرْكًا لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُرادَ وصْفُ الإنْذارِ وعَدَمُ الإنْذارِ بِالِاسْتِواءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ”سَواءٌ“ خَبَرًا، فَيَكُونُ الخَبَرُ مُقَدَّمًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ جائِزٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١] ورَوى سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: ”تَمِيمِيٌّ أنا“ ”ومَشْنُوءٌ مَن يَشْنَؤُكَ“، أمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّهم لا يُجَوِّزُونَهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: المُبْتَدَأُ ذاتٌ، والخَبَرُ صِفَةٌ، والذّاتُ قَبْلَ الصِّفَةِ بِالِاسْتِحْقاقِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبْلَها في اللَّفْظِ قِياسًا عَلى تَوابِعِ الإعْرابِ، والجامِعُ التَّبَعِيَّةُ المَعْنَوِيَّةُ. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ لا بُدَّ وأنْ يَتَضَمَّنَ الضَّمِيرَ، فَلَوْ قُدِّمَ الخَبَرُ عَلى المُبْتَدَأِ لَوُجِدَ الضَّمِيرُ قَبْلَ الذِّكْرِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ هو اللَّفْظُ الَّذِي أُشِيرَ بِهِ إلى أمْرٍ مَعْلُومٍ، فَقَبْلَ العِلْمِ بِهِ امْتَنَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، فَكانَ الإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ مُحالًا، أجابَ البَصْرِيُّونَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّ ما ذَكَرْتُمْ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَقَدُّمُ المُبْتَدَأِ أوْلى، لا أنْ يَكُونَ واجِبًا، وعَنِ الثّانِي: أنَّ الإضْمارَ قَبْلَ الذِّكْرِ واقِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِمْ: ”في بَيْتِهِ يُؤْتى الحَكَمُ“، قالَ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧]، وقالَ زُهَيْرٌ: