Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٣٦
وأمّا الَّذِي لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِرِوايَةِ الآحادِ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَوَقُّفُ الكُفْرِ والإيمانِ عَلَيْهِ. فَهَذا قَوْلُنا في حَقِيقَةِ الكُفْرِ، فَإنْ قِيلَ: يَبْطُلُ ما ذَكَرْتُمْ مِن جِهَةِ العَكْسِ بِلُبْسِ الغِيارِ وشَدِّ الزُّنّارِ وأمْثالِهِما، فَإنَّهُ كَفَرَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ سِوى تَرْكِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُ بِهِ، قُلْنا: هَذِهِ الأشْياءُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ كُفْرًا لِأنَّ التَّصْدِيقَ وعَدَمَهُ أمْرٌ باطِنٌ لا اطِّلاعَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، ومِن عادَةِ الشَّرْعِ أنَّهُ لا يَبْنِي الحُكْمَ في أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى نَفْسِ المَعْنى، لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الِاطِّلاعِ، بَلْ يَجْعَلُ لَها مُعَرِّفاتٍ وعَلاماتٍ ظاهِرَةً، ويَجْعَلُ تِلْكَ المَظانَّ الظّاهِرَةَ مَدارًا لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَيْسَ الغِيارُ وشَدُّ الزُّنّارِ مِن هَذا البابِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن يُصَدِّقُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِهَذِهِ الأفْعالِ، فَحَيْثُ أتى بِها دَلَّ عَلى عَدَمِ التَّصْدِيقِ، فَلا جَرَمَ الشَّرْعُ يُفَرِّعُ الأحْكامَ عَلَيْها، لا أنَّها في أنْفُسِها كُفْرٌ، فَهَذا هو الكَلامُ المُلَخَّصُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *