Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الَّذِي اخْتَرْناهُ لَمْ يَلْزَمْنا هَذا المَحْذُورُ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ يَتَناوَلُ الإيمانَ بِالغائِباتِ عَلى الإجْمالِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤] يَتَناوَلُ الإيمانَ بِبَعْضِ الغائِباتِ، فَكانَ هَذا مِن بابِ عَطْفِ التَّفْصِيلِ عَلى الجُمْلَةِ، وهو جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنّا نُؤْمِنُ بِالأشْياءِ الغائِبَةِ عَنّا، فَكانَ ذَلِكَ التَّخْصِيصُ لازِمًا عَلى
صفحة ٢٧
الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: العَبْدُ يَعْلَمُ الغَيْبَ أمْ لا ؟ قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الغَيْبَ يَنْقَسِمُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وإلى ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، أمّا الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَهو سُبْحانَهُ وتَعالى العالِمُ بِهِ لا غَيْرُهُ، وأمّا الَّذِي عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تَقُولَ: نَعْلَمُ مِنَ الغَيْبِ ما لَنا عَلَيْهِ دَلِيلٌ، ويُفِيدُ الكَلامُ فَلا يَلْتَبِسُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ العُلَماءُ: الِاسْتِدْلالُ بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ أحَدُ أقْسامِ الأدِلَّةِ.