Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في السُّؤالاتِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَوْنُ الشَّيْءِ هُدًى ودَلِيلًا لا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، فَلِماذا جَعَلَ القُرْآنَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ فَقَطْ ؟ وأيْضًا فالمُتَّقِي مُهْتَدٍ، والمُهْتَدِي لا يَهْتَدِي ثانِيًا، والقُرْآنُ لا يَكُونُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. الجَوابُ: القُرْآنُ كَما أنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ودَلالَةٌ لَهم عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وعَلى دِينِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ، فَهو أيْضًا دَلالَةٌ لِلْكافِرِينَ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ المُتَّقِينَ مَدْحًا لِيُبَيِّنَ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا وانْتَفَعُوا بِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٥] وقالَ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْذِرًا لِكُلِّ النّاسِ، فَذَكَرَ هَؤُلاءِ النّاسَ لِأجْلِ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِإنْذارِهِ، وأمّا مَن فَسَّرَ الهُدى بِالدَّلالَةِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقْصُودِ فَهَذا السُّؤالُ زائِلٌ عَنْهُ؛ لِأنَّ كَوْنَ القُرْآنِ مُوَصِّلًا إلى المَقْصُودِ لَيْسَ إلّا في حَقِّ المُتَّقِينَ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ وصَفَ القُرْآنَ كُلَّهُ بِأنَّهُ هُدًى وفِيهِ مُجْمَلٌ ومُتَشابِهٌ كَثِيرٌ؛ ولَوْلا دَلالَةُ العَقْلِ لَما تَمَيَّزَ المُحْكَمُ عَنِ المُتَشابِهِ، فَيَكُونُ الهُدى في الحَقِيقَةِ هو الدَّلالَةُ العَقْلِيَّةُ لا القُرْآنُ، ومِن هَذا نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولًا إلى الخَوارِجِ: لا تَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ خَصْمٌ ذُو وجْهَيْنِ، ولَوْ كانَ هُدًى لَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ذَلِكَ فِيهِ؛ ولِأنّا نَرى جَمِيعَ فِرَقِ الإسْلامِ يَحْتَجُّونَ بِهِ، ونَرى القُرْآنَ مَمْلُوءًا مِن آياتٍ بَعْضُها صَرِيحٌ في الجَبْرِ وبَعْضُها صَرِيحٌ في القَدَرِ، فَلا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما إلّا بِالتَّعَسُّفِ الشَّدِيدِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هُدًى ؟