Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: في حَقِيقَةِ الهُدى: الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الهُدى هو الدَّلالَةُ المُوَصِّلَةُ إلى البُغْيَةِ، وقالَ آخَرُونَ: الهُدى هو الِاهْتِداءُ والعِلْمُ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ وفَسادِ القَوْلِ الثّانِي والثّالِثِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَوْنُ الدَّلالَةِ مُوَصِّلَةً إلى البُغْيَةِ مُعْتَبَرًا في مُسَمّى الهُدى لامْتَنَعَ حُصُولُ الهُدى عِنْدَ عَدَمِ الِاهْتِداءِ، لِأنَّ كَوْنَ الدَّلالَةِ مُوَصِّلَةً إلى الِاهْتِداءِ حالَ عَدَمِ الِاهْتِداءِ مُحالٌ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فُصِّلَتْ: ١٧] أثْبَتَ الهُدى مَعَ عَدَمِ الِاهْتِداءِ، ولِأنَّهُ يَصِحُّ في لُغَةِ العَرَبِ أنْ يُقالَ: هَدَيْتُهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا، واحْتَجَّ صاحِبُ الكَشّافِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: وُقُوعُ الضَّلالَةِ في مُقابَلَةِ الهُدى، قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البَقَرَةِ: ١٦] وقالَ: ﴿لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٍ: ٢٤] .
وثانِيها: يَقُولُ مَهْدِيٌّ في مَوْضِعِ المَدْحِ كَمُهْتَدٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِن شَرْطِ الهُدى كَوْنُ الدَّلالَةِ مُوَصِّلَةً إلى البُغْيَةِ لَمْ يَكُنِ الوَصْفُ بِكَوْنِهِ مَهْدِيًّا مَدْحًا؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ هُدِيَ فَلَمْ يَهْتَدِ.