Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أيُّها المُخاطَبُ لِما أشَرْتُ إلَيْهِ فَإنَّهُ حاضِرٌ لَكَ بِحَيْثُ تَراهُ، وقَدْ تَدْخُلُ الكافُ عَلى ”ذا“ لِلْمُخاطَبَةِ واللّامُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإشارَةِ فَقِيلَ: ”ذَلِكَ“ فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ بالِغٌ في التَّنْبِيهِ لِتَأخُّرِ المُشارِ إلَيْهِ عَنْهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَةَ ذَلِكَ لا تُفِيدُ البُعْدَ في أصْلِ الوَضْعِ، بَلِ اخْتُصَّ في العُرْفِ بِالإشارَةِ إلى البَعِيدِ لِلْقَرِينَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَصارَتْ كالدّابَّةِ، فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ في العُرْفِ بِالفَرَسِ، وإنْ كانَتْ في أصْلِ الوَضْعِ مُتَناوِلَةً لِكُلِّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنّا نَحْمِلُهُ هَهُنا عَلى مُقْتَضى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، لا عَلى مُقْتَضى الوَضْعِ العُرْفِيِّ، وحِينَئِذٍ لا يُفِيدُ البُعْدَ؛ ولِأجْلِ هَذِهِ المُقارَبَةِ يُقامُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ مَقامَ الآخَرِ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٥-٤٨] ثُمَّ قالَ: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٤٩] وقالَ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٢، ٥٣] وقالَ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] وقالَ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النّازِعاتِ: ٢٥، ٢٦] وقالَ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٥] ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٦] وقالَ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ [البَقَرَةِ: ٧٣] أيْ هَكَذا يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، وقالَ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ [طه: ١٧] أيْ ما هَذِهِ الَّتِي بِيَمِينِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.