Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
عَلى أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى القُرْآنِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ بِأنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الأحْرُفِ في الِابْتِداءِ حَتّى يَتَعَجَّبُوا عِنْدَ سَماعِها فَيَسْكُتُوا، فَحِينَئِذٍ يَهْجِمُ القُرْآنُ عَلى أسْماعِهِمْ، سَلَّمْنا أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِأمْرٍ ما، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها مِن أسْماءِ المَعانِي ؟ قَوْلُهُ: ”إنَّها في اللُّغَةِ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِشَيْءٍ البَتَّةَ“، قُلْنا لا نِزاعَ في أنَّها وحْدَها غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِشَيْءٍ، ولَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها مَعَ القَرِينَةِ المَخْصُوصَةِ تُفِيدُ مَعْنًى مُعَيَّنًا ؟ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
(أحَدُها): أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَحَدّاهم بِالقُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَلَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الحُرُوفَ دَلَّتْ قَرِينَةُ الحالِ عَلى أنَّ مُرادَهُ تَعالى مِن ذِكْرِها أنْ يَقُولَ لَهم: إنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي أنْتُمْ قادِرُونَ عَلَيْها، فَلَوْ كانَ هَذا مِن فِعْلِ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ تَقْدِرُوا عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ.
(وثانِيها): أنَّ حَمْلَ هَذِهِ الحُرُوفِ عَلى حِسابِ الجُمَلِ عادَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ النّاسِ.
(وثالِثُها): أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ لَمّا كانَتْ أُصُولَ الكَلامِ كانَتْ شَرِيفَةً عَزِيزَةً، فاللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِها كَما أقْسَمَ بِسائِرِ الأشْياءِ.