Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ وهَذِهِ النِّعْمَةُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها نِعْمَةَ الدُّنْيا أوْ نِعْمَةَ الدِّينِ، ولَمّا بَطَلَ الأوَّلُ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ نِعْمَةُ الدِّينِ، فَنَقُولُ: كُلُّ نِعْمَةٍ
صفحة ٢١٠
دِينِيَّةٍ سِوى الإيمانِ فَهي مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ الإيمانِ، وأمّا النِّعْمَةُ الَّتِي هي الإيمانُ فَيُمْكِنُ حُصُولُها خالِيًا عَنْ سائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو نِعْمَةُ الإيمانِ، فَرَجَعَ حاصِلُ القَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهُ طَلَبٌ لِنِعْمَةِ الإيمانِ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ فَنَقُولُ: يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْكامٌ:
الحُكْمُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ نِعْمَةُ الإيمانِ، ولَفْظُ الآيَةِ صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُنْعِمُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ ثَبَتَ أنَّ خالِقَ الإيمانِ والمُعْطِيَ لِلْإيمانِ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، ولِأنَّ الإيمانَ أعْظَمُ النِّعَمِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُهُ هو العَبْدَ لَكانَ إنْعامُ العَبْدِ أشْرَفَ وأعْلى مِن إنْعامِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما حَسُنَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ إنْعامَهُ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ.