Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ العُلَماءَ بَيَّنُوا أنَّ في كُلِّ خُلُقٍ مِنَ الأخْلاقِ طَرَفَيْ تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ، وهُما مَذْمُومانِ، والحَقُّ هو الوَسَطُ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وذَلِكَ الوَسَطُ هو العَدْلُ والصَّوابُ، فالمُؤْمِنُ بَعْدَ أنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالدَّلِيلِ صارَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، أمّا بَعْدَ حُصُولِ هَذِهِ
صفحة ٢٠٦
الحالَةِ فَلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ العَدْلِ الَّذِي هو الخَطُّ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الأعْمالِ الشَّهْوانِيَّةِ وفي الأعْمالِ الغَضَبِيَّةِ وفي كَيْفِيَّةِ إنْفاقِ المالِ، فالمُؤْمِنُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْدِيَهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو الوَسَطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في كُلِّ الأخْلاقِ وفي كُلِّ الأعْمالِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُؤْمِنَ إذا عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلٍ واحِدٍ فَلا مَوْجُودَ مِن أقْسامِ المُمْكِناتِ إلّا وفِيهِ دَلائِلُ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وجُودِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ. ورُبَّما صَحَّ دِينُ الإنْسانِ بِالدَّلِيلِ الواحِدِ وبَقِيَ غافِلًا عَنْ سائِرِ الدَّلائِلِ، فَقَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ مَعْناهُ عَرِّفْنا يا إلَهَنا ما في كُلِّ شَيْءٍ مِن كَيْفِيَّةِ دَلالَتِهِ عَلى ذاتِكَ وصِفاتِكَ وقُدْرَتِكَ وعِلْمِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.