Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الحَقَّ والِاعْتِقادَ الصِّدْقَ مَعَ اسْتِوائِهِمْ في القُدْرَةِ والعَقْلِ والجِدِّ والطَّلَبِ، فَفَوْزُ البَعْضِ بِدَرْكِ الحَقِّ لا يَكُونُ إلّا بِإعانَةِ مُعِينٍ، وما ذاكَ المُعِينُ إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ ذَلِكَ المُعِينَ لَوْ كانَ بَشَرًا أوْ مَلَكًا لَعادَ الطَّلَبُ فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُطالَبُ بِشَيْءٍ مُدَّةً مَدِيدَةً ولا يَأْتِي بِهِ، ثُمَّ في أثْناءِ حالٍ أوْ وقْتٍ يَأْتِي بِهِ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، ولا يَتَّفِقُ لَهُ تِلْكَ الحالَةُ إلّا إذا وقَعَتْ داعِيَةٌ جازِمَةٌ في قَلْبِهِ تَدْعُوهُ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَإلْقاءُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في القَلْبِ وإزالَةُ الدَّواعِي المُعارِضَةِ لَها لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا مَعْنى لِلْإعانَةِ إلّا ذَلِكَ.
وأمّا النَّقْلُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: أُولاها: قَوْلُهُ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وثانِيتُها: قَوْلُهُ ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقَدِ اضْطَرَبَتِ الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمّا الجَبْرِيَّةُ فَقالُوا: لَوْ كانَ العَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ لَما كانَ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى الفِعْلِ فائِدَةٌ، وأمّا القَدَرِيَّةُ فَقالُوا الِاسْتِعانَةُ إنَّما تَحْسُنُ لَوْ كانَ العَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِن أصْلِ الفِعْلِ، فَتَبْطُلُ الإعانَةُ مِنَ الغَيْرِ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الفِعْلِ لَمْ تَكُنْ لِلِاسْتِعانَةِ فائِدَةٌ.