Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَقاماتِ مَحْصُورَةٌ في مَقامَيْنِ: مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ ومَعْرِفَةُ العُبُودِيَّةِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِما يَحْصُلُ العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] أمّا مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَكَمالُها مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَكَوْنُ العَبْدِ مُنْتَقِلًا مِنَ العَدَمِ السّابِقِ إلى الوُجُودِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ إلَهًا، وحُصُولُ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لِلْعَبْدِ حالَ وُجُودِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَبًّا رَحْمانًا رَحِيمًا، وأحْوالُ مَعادِ العَبْدِ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، وعِنْدَ الإحاطَةِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى أقْصى الغاياتِ، وبَعْدَها جاءَتْ مَعْرِفَةُ العُبُودِيَّةِ، ولَها مَبْدَأٌ وكَمالٌ وأوَّلُ وآخِرُ، أمّا مَبْدَؤُها وأوَّلُها فَهو الِاشْتِغالُ بِالعُبُودِيَّةِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وأمّا كَمالُها فَهو أنْ يَعْرِفَ العَبْدُ أنْ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ بِاللَّهِ في تَحْصِيلِ كُلِّ المَطالِبِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَمّا تَمَّ الوَفاءُ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ وبِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ طَلَبُ الفائِدَةِ والثَّمَرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ رَفِيعٌ عالٍ يَمْتَنِعُ في العُقُولِ حُصُولُ تَرْتِيبٍ آخَرَ أشْرَفَ مِنهُ.