Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الآيَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] أمَرَهُ بِعْدَ التَّوْحِيدِ بِالعُبُودِيَّةِ؛ لِأنَ التَّوْحِيدَ أصْلٌ والعُبُودِيَّةَ فَرْعٌ، والتَّوْحِيدُ شَجَرَةٌ والعُبُودِيَّةُ ثَمَرَةٌ، ولا قِوامَ لِأحَدِهِما إلّا بِالآخَرِ، فَهَذِهِ الآياتُ دالَّةٌ عَلى شَرَفِ العُبُودِيَّةِ.
وأمّا المَعْقُولُ فَظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ مُحْدَثٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَلَوْلا تَأْثِيرُ قُدْرَةِ الحَقِّ فِيهِ لَبَقِيَ في ظُلْمَةِ العَدَمِ وفي فَناءِ الفَناءِ ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ الوُجُودُ فَضْلًا عَنْ كَمالاتِ الوُجُودِ، فَلَمّا تَعَلَّقَتْ قُدْرَةُ الحَقِّ بِهِ وفاضَتْ عَلَيْهِ آثارُ جُودِهِ وإيجادِهِ حَصَلَ لَهُ الوُجُودُ وكَمالاتُ الوُجُودِ ولا مَعْنى لِكَوْنِهِ مَقْدُورَ قُدْرَةِ الحَقِّ، ولِكَوْنِهِ مُتَعَلَّقَ إيجادِ الحَقِّ إلّا العُبُودِيَّةُ، فَكُلُّ شَرَفٍ وكَمالٍ وبَهْجَةٍ وفَضِيلَةٍ ومَسَرَّةٍ ومَنقَبَةٍ حَصَلَتْ لِلْعَبْدِ فَإنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ العُبُودِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَ العُبُودِيَّةَ مِفْتاحُ الخَيْراتِ، وعُنْوانُ السَّعاداتِ، ومَطْلَعُ الدَّرَجاتِ، ويَنْبُوعُ الكَراماتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ العَبْدُ: إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ يَقُولُ: كَفى بِي فَخْرًا أنْ أكُونَ لَكَ عَبْدًا، وكَفى بِي شَرَفًا أنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، اللَّهُمَّ إنِّي وجَدْتُكَ إلَهًا كَما أرَدْتَ فاجْعَلْنِي عَبْدًا كَما أرَدْتَ.