Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الآيَةُ الثّانِيَةُ في شَرَفِ العُبُودِيَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] ولَوْلا أنَّ العُبُودِيَّةَ أشْرَفُ المَقاماتِ، وإلّا لَما وصَفَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ في أعْلى مَقاماتِ المِعْراجِ، ومِنهم مَن قالَ: العُبُودِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ الرِّسالَةِ؛ لِأنَّ بِالعُبُودِيَّةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وبِالرِّسالَةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ، وأيْضًا بِسَبَبِ العُبُودِيَّةِ يَنْعَزِلُ عَنِ التَّصَرُّفاتِ، وبِسَبَبِ الرِّسالَةِ يُقْبِلُ عَلى التَّصَرُّفاتِ، واللّائِقُ بِالعَبْدِ الِانْعِزالُ عَنِ التَّصَرُّفاتِ، وأيْضًا العَبْدُ يَتَكَفَّلُ المَوْلى بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ، والرَّسُولُ هو المُتَكَفِّلُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الأُمَّةِ، وشَتّانَ ما بَيْنَهُما.
صفحة ٢٠٣
الآيَةُ الثّالِثَةُ في شَرَفِ العُبُودِيَّةِ: أنَّ عِيسى أوَّلَ ما نَطَقَ قالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وصارَ ذِكْرُهُ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ سَبَبًا لِطَهارَةِ أُمِّهِ، ولِبَراءَةِ وُجُودِهِ عَنِ الطَّعْنِ، وصارَ مِفْتاحًا لِكُلِّ الخَيْراتِ، ودافِعًا لِكُلِّ الآفاتِ، وأيْضًا لَمّا كانَ أوَّلُ كَلامِ عِيسى ذِكْرَ العُبُودِيَّةِ كانَتْ عاقِبَتُهُ الرِّفْعَةَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، والنُّكْتَةُ أنَّ الَّذِي ادَّعى العُبُودِيَّةَ بِالقَوْلِ رُفِعَ إلى الجَنَّةِ، والَّذِي يَدَّعِيها بِالعَمَلِ سَبْعِينَ سَنَةً؛ كَيْفَ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الجَنَّةِ ؟ .