Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: العِبادَةُ لَها ثَلاثُ دَرَجاتٍ:
الدَّرَجَةُ الأُولى: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ طَمَعًا في الثَّوابِ أوْ هَرَبًا مِنَ العِقابِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالعِبادَةِ، وهَذِهِ الدَّرَجَةُ نازِلَةٌ ساقِطَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ مَعْبُودَهُ في الحَقِيقَةِ هو ذَلِكَ الثَّوابُ، وقَدْ جَعَلَ الحَقَّ وسِيلَةً إلى نَيْلِ المَطْلُوبِ، ومَن جَعَلَ المَطْلُوبَ بِالذّاتِ شَيْئًا مِن أحْوالِ الخَلْقِ وجَعَلَ الحَقَّ وسِيلَةً إلَيْهِ؛ فَهو خَسِيسٌ جِدًّا.
والدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِأجْلِ أنْ يَتَشَرَّفَ بِعِبادَتِهِ، أوْ يَتَشَرَّفَ بِقَبُولِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَتَشَرَّفَ بِالِانْتِسابِ إلَيْهِ، وهَذِهِ الدَّرَجَةُ أعْلى مِنَ الأُولى؛ إلّا أنَّها أيْضًا لَيْسَتْ كامِلَةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ غَيْرُ اللَّهِ.
والدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِكَوْنِهِ إلَهًا وخالِقًا، ولِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ، والإلَهِيَّةُ تُوجِبُ الهَيْبَةَ والعِزَّةَ، والعُبُودِيَّةُ تُوجِبُ الخُضُوعَ والذِّلَّةَ، وهَذا أعْلى المَقاماتِ وأشْرَفُ الدَّرَجاتِ، هَذا هو المُسَمّى بِالعُبُودِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ المُصَلِّي في أوَّلِ الصَّلاةِ: أُصَلِّي لِلَّهِ؛ فَإنَّهُ لَوْ قالَ أصُلِّي لِثَوابِ اللَّهِ، أوْ لِلْهَرَبِ مِن عِقابِهِ؛ فَسَدَتْ صَلاتُهُ.
واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ والعُبُودِيَّةَ مَقامٌ عالٍ شَرِيفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: