Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالعِبادَةِ انْتِقالٌ مِن عالَمِ الغُرُورِ إلى عالَمِ السُّرُورِ، ومِنَ الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ إلى حَضْرَةِ الحَقِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَمالَ اللَّذَّةِ والبَهْجَةِ. يُحْكى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ حَيَّةً سَقَطَتْ مِنَ السَّقْفِ، وتَفَرَّقَ النّاسُ، وكانَ أبُو حَنِيفَةَ في الصَّلاةِ ولَمْ يَشْعُرْ بِها. ووَقَعَتِ الآكِلَةُ في بَعْضِ أعْضاءِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، واحْتاجُوا إلى قَطْعِ ذَلِكَ العُضْوِ، فَلَمّا شَرَعَ في الصَّلاةِ قَطَعُوا مِنهُ ذَلِكَ العُضْوَ فَلَمْ يَشْعُرْ عُرْوَةَ بِذَلِكَ القَطْعِ. وعَنْ رَسُولِ
صفحة ٢٠٢
اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ حِينَ يَشْرَعُ في الصَّلاةِ كانُوا يَسْمَعُونَ مِن صَدْرِهِ أزِيزًا كَأزِيزِ المِرْجَلِ، ومَنِ اسْتَبْعَدَ هَذا فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] فَإنَّ النِّسْوَةَ لَمّا غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِنَّ جَمالُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصَلَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ حَيْثُ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وما شَعَرْنَ بِذَلِكَ، فَإذا جازَ هَذا في حَقِّ البَشَرِ فَلَأنْ يَجُوزَ عِنْدَ اسْتِيلاءِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَلى القَلْبِ أوْلى، ولَأنَّ مَن دَخَلَ عَلى مَلِكٍ مَهِيبٍ فَرُبَّما مَرَّ بِهِ أبَواهُ وبَنُوهُ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ولا يَعْرِفُهم لِأجْلِ أنَّ اسْتِيلاءَ هَيْبَةِ ذَلِكَ تَمْنَعُ القَلْبَ عَنِ الشُّعُورِ بِهِمْ، فَإذا جازَ هَذا في حَقِّ مَلِكٍ مَخْلُوقٍ مُجازى فَلَأنْ يَجُوزَ في حَقِّ خالِقِ العالَمِ أوْلى.