Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ نَفْسِهِ لِيَتَنَبَّهُ العابِدُ عَلى أنَّ المَعْبُودَ هو اللَّهُ الحَقُّ، فَلا يَتَكاسَلُ في التَّعْظِيمِ ولا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا؛ يُحْكى أنَّ واحِدًا مِنَ المُصارِعِينَ الأُسْتاذِينَ صارَعَ رُسْتاقِيًّا جِلْفًا فَصَرَعَ الرُّسْتاقِيُّ ذَلِكَ الأُسْتاذَ مِرارًا فَقِيلَ لِلرُّسْتاقِيِّ: إنَّهُ فُلانٌ الأُسْتاذُ، فانْصَرَعَ في الحالِ مِنهُ، وما ذاكَ إلّا لِاحْتِشامِهِ مِنهُ، فَكَذا هَهُنا: عَرَّفَهُ ذاتَهُ أوَّلًا حَتّى تَحْصُلَ العِبادَةُ مَعَ الحِشْمَةِ فَلا تَمْتَزِجَ بِالغَفْلَةِ.
وثانِيها: أنَّهُ إنْ ثَقُلَتْ عَلَيْكَ الطّاعاتُ وصَعُبَتْ عَلَيْكَ العِباداتُ مِنَ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ فاذْكُرْ أوَّلًا قَوْلَهُ إيّاكَ نَعْبُدُ لِتَذْكُرَنِي وتَحْضُرَ في قَلْبِكَ مَعْرِفَتِي، فَإذا ذَكَرْتَ جَلالِي وعَظَمَتِي وعِزَّتِي وعَلِمْتَ أنِّي مَوْلاكَ وأنَّكَ عَبْدِي سَهَّلْتُ عَلَيْكَ تِلْكَ العِباداتِ، ومِثالُهُ أنَّ مَن أرادَ حَمْلَ الجِسْمِ الثَّقِيلِ تَناوَلَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يَزِيدُهُ قُوَّةً وشِدَّةً، فالعَبْدُ لَمّا أرادَ حَمْلَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الشَّدِيدَةِ تَناوَلَ أوَّلًا مَعْجُونَ مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن بُسْتُوقَةِ قَوْلِهِ إيّاكَ حَتّى يَقْوى عَلى حَمْلِ ثِقَلِ العُبُودِيَّةِ، ومِثالٌ آخَرُ وهو أنَّ العاشِقَ الَّذِي يُضْرَبُ لِأجْلِ مَعْشُوقِهِ في حَضْرَةِ مَعْشُوقِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الضَّرْبُ، فَكَذا هَهُنا: إذا شاهَدَ جَمالَ إيّاكَ سَهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ ثِقَلِ العُبُودِيَّةِ.