Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّالِثُ: في دَلِيلِ هَذا الحَصْرِ، وهو أنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى وُجُوبِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عالِمًا مُحْسِنًا جَوادًا كَرِيمًا حَلِيمًا، وأمّا كَوْنُ غَيْرِهِ كَذَلِكَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا أثَرَ يُضافُ إلى الطَّبْعِ والفَلَكِ والكَواكِبِ والعَقْلِ والنَّفْسِ إلّا ويُحْتَمَلُ إضافَتُهُ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ هَذا الِاحْتِمالِ صارَ ذَلِكَ الِانْتِسابُ مَشْكُوكًا فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الإلَهِ تَعالى مَعْبُودًا لِلْخَلْقِ أمْرٌ يَقِينِيٌّ، وأمّا كَوْنُ غَيْرِهِ مَعْبُودًا لِلْخَلْقِ فَهو أمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، والأخْذُ بِاليَقِينِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالشَّكِّ، فَوَجَبَ طَرْحُ المَشْكُوكِ والأخْذُ بِالمَعْلُومِ وعَلى هَذا لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلِهَذا المَعْنى قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ العُبُودِيَّةَ ذِلَّةٌ ومَهانَةٌ إلّا أنَّهُ كُلَّما كانَ المَوْلى أشْرَفَ وأعْلى كانَتِ العُبُودِيَّةُ بِهِ أهْنَأ وأمْرَأ ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى أشْرَفَ المَوْجُوداتِ وأعْلاها فَكانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أوْلى مِن عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ، وأيْضًا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى أعْلى مِن قُدْرَةِ غَيْرِهِ، وعِلْمُهُ أكْمَلُ مِن عِلْمِ غَيْرِهِ، وجُودُهُ أفْضَلُ مِن جُودِ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ عُبُودِيَّتَهُ أوْلى مِن عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ.