Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] والعَبْدُ إنَّما انْتَقَلَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ العَجْزِ إلى القُدْرَةِ ومِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدِيمًا أزَلِيًّا، فَبِقُدْرَتِهِ الأزَلِيَّةِ وعِلْمِهِ الأزَلِيِّ أحْدَثَهُ ونَقَلَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ فَهو إلَهٌ لِهَذا المَعْنى، وأمّا الحالُ الحاضِرَةُ لِلْعَبْدِ فَحاجَتُهُ شَدِيدَةٌ لِأنَّهُ كُلَّما كانَ مَعْدُومًا كانَ مُحْتاجًا إلى الرَّبِّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمّا لَمّا دَخَلَ في الوُجُوهِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحاجاتِ وحَصَلَتْ عِنْدَهُ أسْبابُ الضَّرُوراتِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا إلَهٌ لِأجْلِ أنِّي أخْرَجْتُكَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. أمّا بَعْدَ أنْ صِرْتَ مَوْجُودًا فَقَدْ كَثُرَتْ حاجاتُكَ إلَيَّ فَأنا رَبٌّ رَحْمَنٌ رَحِيمٌ، وأمّا الحالُ المُسْتَقْبِلَةُ لِلْعَبْدِ فَهي حالُ ما بَعْدَ المَوْتِ والصِّفَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِتِلْكَ الحالَةِ هي قَوْلُهُ ”﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾“، فَصارَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الخَمْسُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةً بِهَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ لِلْعَبْدِ فَظَهَرَ أنَّ جَمِيعَ مَصالِحِ العَبْدِ في الماضِي والحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ لا يَتِمُّ ولا يَكْتَمِلُ إلّا بِاللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَشْتَغِلَ العَبْدُ بِعِبادَةِ شَيْءٍ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ قالَ العَبْدُ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ.