Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ الواجِباتِ عَلى قِسْمَيْنِ: حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى، وحُقُوقُ العِبادِ. أمّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى فَمَبْناها عَلى المُسامَحَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وأمّا حُقُوقُ العِبادِ فَهي الَّتِي يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْها.
رُوِيَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ لَهُ عَلى بَعْضِ المَجُوسِ مالٌ، فَذَهَبَ إلى دارِهِ لِيُطالِبَهُ بِهِ، فَلَمّا وصَلَ إلى بابِ دارِهِ وقَعَ عَلى نَعْلِهِ نَجاسَةٌ، فَنَفَضَ نَعْلَهُ فارْتَفَعَتِ النَّجاسَةُ عَنْ نَعْلِهِ ووَقَعَتْ عَلى حائِطِ دارِ المَجُوسِيِّ فَتَحَيَّرَ أبُو حَنِيفَةَ وقالَ: إنْ تَرَكْتُها كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُبْحِ جِدارِ هَذا المَجُوسِيِّ، وإنْ حَكَكْتُها انْحَدَرَ التُّرابُ مِنَ الحائِطِ، فَدَقَّ البابَ، فَخَرَجَتِ الجارِيَةُ، فَقالَ لَها: قُولِي لِمَوْلاكِ: إنَّ أبا حَنِيفَةَ بِالبابِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وظَنَّ أنَّهُ يُطالِبُهُ بِالمالِ، فَأخَذَ يَعْتَذِرُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هاهُنا ما هو أوْلى، وذَكَرَ قِصَّةَ الجِدارِ، وأنَّهُ كَيْفَ السَّبِيلُ إلى تَطْهِيرِهِ، فَقالَ المَجُوسِيُّ: فَأنا أبْدَأُ بِتَطْهِيرِ نَفْسِي، فَأسْلَمَ في الحالِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ لَمّا احْتَرَزَ عَنْ ظُلْمِ المَجُوسِيِّ في ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الظُّلْمِ فَلِأجْلِ تَرْكِهِ ذَلِكَ انْتَقَلَ المَجُوسِيُّ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَمَنِ احْتَرَزَ عَنِ الظُّلْمِ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.