Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:2-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: لَقَدِ اشْتُهِرَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ قالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، فَظَهَرَ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَهَذا كَرَمٌ عَظِيمٌ مِنهُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وإنَّما حَصَلَ فِيهِ هَذا الكَرَمُ وهَذا الإحْسانُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَإنْ كانَ أثَرُ الرَّحْمَةِ الواحِدَةِ هَذا المَبْلَغُ، فَكَيْفَ كَرَمُ مَن هو رَحْمَنٌ رَحِيمٌ ؟ وأيْضًا رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حِسابَ أُمَّتِي عَلى يَدَيَّ»، ثُمَّ إنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مَدْيُونًا بِدِرْهَمَيْنِ، وأخْرَجَ عائِشَةَ عَنِ البَيْتِ بِسَبَبِ الإفْكِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: إنَّ لَكَ رَحْمَةً واحِدَةً وهي قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والرَّحْمَةُ الواحِدَةُ لا تَكْفِي في إصْلاحِ المَخْلُوقاتِ، فَذَرْنِي وعَبِيدِي واتْرُكْنِي وأُمَّتَكَ، فَإنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَرَحْمَتِي لا نِهايَةَ لَها، ومَعْصِيَتُهم مُتَناهِيَةٌ، والمُتَناهِي في جَنْبِ غَيْرِ المُتَناهِي يَصِيرُ فانِيًا، فَلا جَرَمَ مَعاصِي جَمِيعِ الخَلْقِ تَفْنى في بِحارِ رَحْمَتِي، لِأنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.