Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:2-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمانًا رَحِيمًا، ثُمَّ إنَّهُ أعْطى مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ رَحْمَةً واحِدَةً حَيْثُ قالَ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] فَتِلْكَ الرَّحْمَةُ صارَتْ سَبَبًا لِنَجاتِها مِن تَوْبِيخِ الكُفّارِ الفُجّارِ، ثُمَّ إنّا نَصِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ أرْبَعَةً وثَلاثِينَ مَرَّةً أنَّهُ رَحْمَنٌ وأنَّهُ رَحِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلَواتِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ويُقْرَأُ لَفْظُ ”﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾“ في كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَلَمّا صارَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ مَرَّةً واحِدَةً سَبَبًا لِخَلاصِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ عَنِ
صفحة ١٩١
المَكْرُوهاتِ أفَلا يَصِيرُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ هَذِهِ المَرّاتِ الكَثِيرَةِ طُولَ العُمْرِ سَبَبًا لِنَجاةِ المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ والعارِ والدَّمارِ ؟
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى رَحْمَنٌ لِأنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ، رَحِيمٌ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى جِنْسِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا رَحْمَنٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ نُطْفَةً مَذِرَةً فَأُسَلِّمُها إلَيْكَ صُورَةً حَسَنَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وأنا رَحِيمٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ طاعَةً ناقِصَةً فَأُسَلِّمُ إلَيْكَ جَنَّةً خالِصَةً.